|
فعاليات الحملة
قصص ملهمة
الفوز بمحبة الناس

علي حسين عبيد
خاص بمنصة مبادرة حملة ثقافة المحبة والسلام
المشتركة بين دار الكتب والوثائق ومجلة سماء الأمير الإلكترونية
الرقمية
يسر منصة مبادرة حملة ثقافة المحبة والسلام
أن تعرض قصة واقعية عاشها وكتبها القاص والروائي علي حسين عبيد،
تتناول موضوعة المحبة والسلام ونبذ العنف.
*****
الفوز بمحبة الناس
علي حسين عبيد ـ قاص وروائي
لي رجلٌ من أقاربي تجاوز على زوجته بالضرب، ففرّت إلى أهلها،
واستعان بي لأعيدها؛ لأن أهلها لا يردّون لي طلباً. كنتُ متردّدًا
في مساعدته؛ لأنّه قال لي ذات يوم:
ـ أنا لا أستطيع النوم إذا عشتُ بلا مشاكل!
ذهبتُ معه وسيطاً؛ لأنني أحبّ عمل الخير، فربما يتغيّر…
وصلنا إلى بيت أهل زوجته، طرقتُ الباب، خرج الأخ الأكبر للزوجة
المعتدى عليها، رحَّب بي كثيراً، وشدَّ على يدي بقوّة، فيما استقبل
زوج أخته بتحيّة باردة وترحيب فاتر. كنّا في فصل الربيع، والأشجار
من حولنا، والنسيم عذب. جلسنا في فناء الدار، جاء الأب ورحّب بي
أكثر، وسلّم بفتور أيضاً على زوج ابنته. وبعد حوار ونقاش وتبريرات
واعتذارات، قال الأب: سوف نعيد ابنتنا إلى بيتها احتراماً لك أنت،
ونأمل أن تضمن عدم الاعتداء عليها من قبل زوجها. فأبديتُ التعهّد
المطلوب، ثم قال الأب: غدًا ستكون في بيت زوجها.
خرجنا من أهل الزوجة ممتنّين، وبدتْ معالم السرور واضحة في وجه
قريبي، الذي ظلّ طيلة الطريق يشكرني ويدعو لي بالخير. وحين سألتُه:
أريد ألّا تتجاوز على زوجتك مرّة أخرى، هل يمكنك أن تعدني بذلك؟
أكّد لي أنّه لن يخطئ بحقّها مرّة أخرى، لكنّ قيادته لسيارته كانت
تدلّ على أنّه غير موثوق به، ولا بكلامه!
قبل أن نصل إلى بيتنا بقليل، وكان الوقت غروباً، عبرتْ من أمام
السيارة قطّة مسرعة، كان ضوء السيارة ينطلق نحو القطّة. فجأة ضغط
قريبي على دوّاسة البنزين، فانطلقت السيارة كالسهم نحو القطّة،
إلّا أنّها تخلّصت في آخر لحظة من السيارة وقفزت إلى الرصيف. فصرخ
قريبي صرخة أسف عالية: (لا، مع الأسف لم أنلْ منها!). استغربتُ
بشدّة من هذا العمل الأهوج الذي قام به قريبي، وسألته: ماذا فعلت
لك هذه القطّة الصغيرة كي تدهسها وتقتلها؟
أحداث القصّة أعلاه جرت قبل سنوات بعيدة، وأنا ذكرتُها لكم الآن؛
لأنّ قريبي نفسه، الذي كان لا ينام إلّا على المشاكل، والذي كان
يتجاوز على زوجته مراراً، زارني اليوم مع ثلاثة من أبنائه الشباب.
رحَّبتُ به وبأولاده بقوّة، وجلسنا معاً في غرفة الاستقبال نحتسي
العصير. كانت شاشة التلفاز تعرض، عبر قناة «بي بي سي عربي»، ضمن
برنامجها «ترندينغ»، فيديو يتحدّث عن تفاصيل عمليّة جراحيّة تمّ
إجراؤها لقطّة مبتورة القدمين الخلفيّتين؛ إذ تمّ تركيب قدمين
صناعيّتين لها، وساعدتْها مربّيتها بصبر وحرص شديد على استخدام
القدمين الصناعيّتين جيّداً. وشيئاً فشيئاً تعلّمت القطّة السير
على أقدامها بشكل جيّد، حتّى إنّها استطاعت، بمساعدة مربّيتها، أن
ترتقي سلّماً يتكوّن من عدّة درجات.
كنّا أنا وقريبي وأبناؤه الثلاثة نتابع وضع القطّة، وكيف أُجريت
لها عمليّة تركيب القدمين، ثم كيف بدأت تجرّب المشي عليهما،
وتابعنا بإعجاب ذلك الجهد الإنساني الكبير الذي بذلته مربّية
القطّة كي تساعدها على السير مجدّداً، وهو جهد يدخل في إطار الرفق
بالحيوان.
هنا سألتُ قريبي أمام أولاده: هل تتذكّر محاولتك دهس القطّة قبل
سنوات بعيدة؟ وهل تتذكّر كم تأسّفت لأنّك لم تستطع دهسها حين
تخلّصت منك في آخر لحظة؟!
قال متأسّفاً، مع حسرة مؤلمة: نعم، أتذكّرها جيّداً، وأتذكّر
مستنقع المشاكل الذي كنتُ أغوص فيه، لكنّني أحمدُ الله، تغيّرت
كثيراً، وتخلّصت من طباعي العنيفة، وعلَّمتُ أبنائي هؤلاء على
الرحمة والرأفة بأمّهم، وبأنفسهم، وبالآخرين. فالعنف وخشونة الطبع
يجعلانك مكروهاً من الجميع، حتّى أقرب الناس منك ينفضّون من حولك،
وسرعان ما تجد نفسك وحيداً. أمّا الهدوء والعفو والأعمال
الإنسانيّة، فهي وحدها من تمنحك محبّة الناس.
المصدر الأصلي: مبادرة منصة حملة ثقافة المحبة والسلام، الحملة
المشتركة بين دار الكتب والوثائق
ومجلة سماء الأمير. |