العدد (156) - تشرين الاول- 2022  

 

الرأي العام العراقي والنظام الفيدرالي بعد عام 2003م


أصالة قاسم محسن
بغداد - دار الجامعة - 2022
136 صفحة

 

 

 

الفيدرالية، كمفهـوم ونظرية، وكواقـع، لـم تنبثـق ولـم تظهـر مـن داخـل الـعـراق، بـلنشـأت فـي خارجـه وتحـدد مفهومهـا، واتخـذت مـن ناحيـة الواقـع اشـكالا مختلفة ومتنوعـة ولكـن فـي امـاكـن خـارج العراق، وليس من داخله، منذ نهاية القرن الثامن عشر وبدايـة القرن التاسع عشر، فالعراق، وكما هو معروف نشأ كدولة مركزية لا تسمح بـاي فسحة أو مجـال لأي نـوع أو شكل ينـال مـن مـركـز فيهـا، فالنظـام الفيدرالي يقـوم عـادة بين عـدة دول تتنازل كـل منهـا بمقتضـى الدستور الاتحـادي عـن بعـض سـلطاتها الداخليـة وعـن سيادتها الخارجية للكيان القانوني الجديد المسمى بالدولة الاتحادية أو الدولة المركزية ولهذا تفقـد الـدول الاعضـاء أو مـا تـعـرف بالدويلات شخصيتها الدوليـة وتصـبح مجـرد اقسام دستورية داخل الدولة الفيدراليـة وتـدور في فلكها، أو تقوم على اساس تفكك دولة
مركزية لتعود وحداتها أو بعضها لتتحد في أطار نظام اتحادي فيدرالي. وقد اثارت التجربة الديمقراطيـة فـي الـعـراق العديد من موضوعات الجدل والنقـاش والخلاف على جوانب مختلفة، منهـا شـكل الدولـة وطبيعـة نظـام الحكم فيهـا وصلاحيات
السلطات الاقليمية والمركزية وتوزيع الثروات والموارد الطبيعية وغيرهـا مـن المسـائل الخلافية بين ممثلين الكتل السياسية في الحكومة العراقية.

ومن بين المسائل العالقة التي اصبحت مثار جدل بين الكتل والنخب السياسية والثقافيـة هـو (قانون الفيدراليـة)أو (قانون الاقاليم) طبقا لما ورد في الدستور العراقيلعام ٢٠٠٥. والفيدرالية (Federation) التـي يـراد تطبيقهـا فـي الـعـراق كمـا نـص عليهـا
الدستور العراقي تعلـي (وجـود حكومة اتحاديـة فـي بغـداد تشـكل مـن محافظ العـراق الثمانية عشـر وقيـام حكومـة محليـة فـي المناطق نفسـها تتولى حكـم وادارة المحافظـات بذاتها) وهذا المعنى أقره الدستور العراقي .

وتعد الفيدرالية معطية فكرية سياسية ونظميـة مـن معطيات العصر الحديث، فقد ثم تطبقها في بعض دول العالم، التي كان من أبرزها نظام الحكم الفيدرالي في سويسرا ونظام الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية، إلا أن قيام هذين النظامين وغيرهما
قد تم على وفق معطيات تاريخية، وعوامل اقتصادية واجتماعية، وجغرافيـة لهـا خصائصها المحددة فـي كـل منها. ففي سويسرا كانت الجغرافية السكانية قد استقرت في أرض هذه الدولـة منـذ زمن طويل، في ثلاثة أقاليم جغرافيـة، وكذلك الحال بالنسبة
للولايات المتحدة الامريكية، ويمكـن القـول أنـه منـذ تأسيس الحكـم الـوطنـي فـي الـعـراق، وحتى احتلالـه بعـد الغزو الأمريكـي لـه عـام ٢٠٠٣، لـم يذكر التاريخ السياسي لهذا البلد أنه شهد نظام الفيدرالية بشكل رسمي، بل أن سكان اقليم كردستان انفسهم لـم يرفعوا هذا
الشعار، إذ كـان شـعارهم المطالبـة بـالحكم الذاتي، الـذي تـم منـحـه لـهـم مـن لـدن حكومـة النظام السابق في اوائل سبعينيات القرن الماضي وذلك بموجـب بيـان ۱۱ آذار ۱۹۷۰. وقبـل ذلـك فـان النظام الجمهوري الذي اعلـن بعـد نـجـاح ثورة 14 تموز ١٩٥٨، واشـاع
الحرية لأبناء الوطن كافـة مـن عـرب، وكـرد، واقليـات أخـرى، لـم يرفع شعار الفيدراليـة لا مـن الكـرد ولا مـن الاقليـات الأخـرى، التـي ربمـا كـانـت تـرى انهـا قـد تـحـررت كإخوانهـا العرب من النظام التسلطي الذي ساد العهد الملكي. عدا الشعار الذي رفعـه الشيوعيون
وهو الدعوة الى ((اتحـاد فيدرالي))، مع الجمهورية العربية المتحدة. وحتى هذا الشعار لـم يكـن يعني الفيدرالية المطروحـة اليـوم فـي الـعـراق، بـل يعنـي فيدرالبـة مـع مصـر وسـوريا ، كمـا لـم يطرح أي شعار يطالب في الفيدرالية في عهد الاخـوين عبد السلام وعبـد الـرحمن عارف، (١٩٦٣_١٩٦٨)، وكذلك الامر في عهد البعث إذ إن الاكراد لـم يرفعـوا مـطـالـب الفيدرالية، و يعني أن الدعوة لإقامـة النظام الفيدرالي فـي الـعـراق فكـرة حديثـة جـاءت مع التخطيط الأمريكي لاحتلال العراق، الـذي كـان قـد مهـد لـه منـذ عـام ١٩٩١ وبعـد
الانسحاب من الكويت وصـدور عشرات القرارات مـن مجلس الأمن، هـذا مـع الـعلـم إن الولايات المتحدة الامريكيـة كمـا ثبت واقعيا _ لاتقف عائقا امـام تقسيم العراق، وهـذا مـا اعلنـه (جوزيف بایـدن) نائب رئيس الولايات المتحدة الامريكيـة. أمـا جـذور هذا التوجـه
فيعكسه ذلك القرار الذي منع الطيران فـي اجـواء منطقة كردستان العراق الذي حدد بخط عرض (36)، وفـي اجـواء المنطقة الجنوبيـة الـذي حـدد بخـط الـعـرض (۳۲)، والنيـة التـي كانت معقـودة على هذا القرار هي تقسيم العراق إلى ثلاثة اقاليم (فيدرالية) كرديـة فـي
الشمال، وسنية في الوسط والغرب، وشيعية في الجنوب

. وقد وجدت هذه المخططات تجاوبـاً مـن الأكراد، وبعض الفئات المعارضـة فـي
البصرة التـي نـادت بفيدرالية البصرة. وآيـا كـان فـان طـرح الفيدرالية والتخطيط لجعلها واقعاً كان يفتقد الى أية مقومات سواء كانت علمية أم سياسية أم اجتماعية أم اقتصادية من شأنها ان تساعد على تطبيقها .

وقسم الكتاب الى ثلاثة فصول وهي :

الفصل الاول : ماهيات الرأي العام والفيدرالية والنظام الفيدرالي .

الفصل الثاني : واقع التجربة الفيدرالية في العراق بعد اقرار دستور العراق الدائم لعام 2005.

الفصل الثالث : موقف الرأي العام العراقي من الفيدرالية والنظام الفيدرالي بين المساندة والمناهضة .

جميع حقوق النشر محفوظة لدار الكتب والوثائق 2006